إدريس عليه السلام من الأنبياء الذين ذكرهم الله في كتابه بالثناء، ولم يقصّ علينا من خبره إلا القليل. وفي هذا الموضوع نجمع ما ثبت عنه في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ونفرّق بينه وبين ما يرويه المؤرخون وأهل الكتاب.
١. ذكره في القرآن الكريم
ذُكر إدريس عليه السلام في القرآن في موضعين:
الموضع الأول: صدّيق نبي، رفعه الله مكانًا عليًّا
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦]
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]
الموضع الثاني: من الصابرين الصالحين
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥]
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]
فجمع الله له أربع صفات عظيمة: الصدّيقية، والنبوة، والصبر، والصلاح، ورفعه مكانًا عليًّا.
٢. ما معنى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]؟
ذكر المفسرون في معناها قولين، ولا تعارض بينهما:
- رفعة المنزلة والقدر: بما أكرمه الله به من النبوة والقرب منه.
- رفعة المكان: وقد جاء ذكر هذه الآية في حديث المعراج عند ذكر إدريس في السماء الرابعة، كما في الحديث الآتي.
٣. إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج
في حديث الإسراء والمعراج أن النبي ﷺ عُرج به إلى السماء الرابعة، فإذا هو بإدريس عليه السلام، فرحّب به ودعا له بخير، وجاء في الحديث عقب ذلك: قال الله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]. (رواه مسلم ١٦٢ من حديث أنس رضي الله عنه)
وفي الصحيحين أن إدريس قال للنبي ﷺ: «مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح». (رواه البخاري ٣٤٩، ومسلم ١٦٣)
لطيفة: آدم وإبراهيم عليهما السلام قالا للنبي ﷺ في المعراج: «والابن الصالح»، لأنهما من آبائه، أما إدريس فقال: «والأخ الصالح». واستدل بهذا بعض أهل العلم على أن إدريس ليس من آباء النبي ﷺ المباشرين، وهي مسألة خلافية بين العلماء.
٤. زمنه ونسبه: ما يقوله المؤرخون
لم يرد في القرآن ولا في السنة الصحيحة تحديد زمن إدريس عليه السلام ولا نسبه، وإنما هذه أقوال المؤرخين والمفسرين:
- ذكر كثير منهم أنه عاش بين آدم ونوح عليهما السلام، وأنه من ذرية شيث بن آدم، وأن اسمه عند أهل الكتاب «أخنوخ».
- وترجم الإمام البخاري في صحيحه بابًا لذكره، وذكر فيه أنه جدّ نوح أو جدّ أبيه، ونقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أن إلياس هو إدريس. والذي رجّحه كثير من أهل العلم أنهما نبيّان مختلفان، لأن الله جعل إلياس من ذرية نوح، وإدريس قبل نوح.
وهذه الأقوال تقديرات واجتهادات، لا يُجزم بشيء منها، والعلم عند الله.
٥. ما يُروى عنه من غير طريق صحيح
في كتب التاريخ والتفسير روايات كثيرة عن إدريس، منها:
- أنه أول من خطّ بالقلم، وأول من خاط الثياب، وأول من نظر في علم النجوم.
- قصة صعوده إلى السماء مع ملكٍ صديق له، وقبض روحه هناك.
وهذه إما أحاديث ضعيفة، وإما من الإسرائيليات، أي الأخبار المنقولة عن أهل الكتاب.
وكيف نتعامل مع الإسرائيليات؟
قال النبي ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». (رواه البخاري ٣٤٦١)
وقال ﷺ: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنّا بالله وما أُنزل إلينا». (رواه البخاري ٤٤٨٥)
وقسّمها أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية في «مقدمة في أصول التفسير»، وابن كثير في تفسيره، ثلاثة أقسام:
- ما وافق القرآن والسنة: فنصدّقه، وفيما عندنا غنًى عنه.
- ما خالف القرآن والسنة: فنكذّبه، ولا نرويه إلا لبيان بطلانه.
- ما سكت عنه شرعنا: فلا نصدّقه ولا نكذّبه، وتجوز روايته للعلم والاستئناس، دون أن نبني عليه عقيدة أو حكمًا.
وأغلب ما يُروى عن إدريس من القسم الثالث، فنذكره هنا للعلم، ولا نجزم بصحته ولا ببطلانه، ونقف في اليقين عند قول الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦].
دروس وعِبر
- القيمة في الصفات لا في كثرة الأخبار: ذُكر إدريس في آيات قليلة، لكنها جمعت له أعظم الصفات.
- الصدق طريق الرفعة: وصفه الله بأنه ﴿صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦]، ثم أتبعه بقوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧].
- الصبر من صفات الأنبياء: ﴿كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥].
- التثبّت قبل الجزم: نفرّق بين ما ثبت في القرآن والسنة فنعتقده، وما يُروى من غيرهما فنذكره للعلم دون جزم.
المصادر:
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، وكتاب الصلاة، وكتاب التفسير.
- صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء.
- مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية.
- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (تفسير سورة مريم: ٥٦–٥٧).
- قصص الأنبياء، والبداية والنهاية، لابن كثير.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر.
إدارة الملتقى